والفقراء، فالإسلام - باعتباره دينا، يعترف بالفطرة ويهذبها ويسمو بها ولا يعلن الحرب لاستئصالها أو مقاومتها - قد أقر الملكية الفردية الناشئة عن سبب مشروع، استجابة للدوافع الفطرية الأصلية في الإنسان التي تتطلب التملك والمنافسة والادخار.
وبالتالي يكون الإسلام قد اعترف بالتفاوت الفطري في الأرزاق بين الناس، إذ هو بلا شك ناشئ عن تفاوت فطري آخر في المواهب والملكات، والقدر والطاقات، ولكن هذا الاعتراف بالتفاوت الفطري في الرزق، ليس معناه أن يدع الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرا، فتتسع الشقة بين الفريقين، ويصبح الأغنياء"طبقة"كتب لها أن تعيش في أبراج من العاج، ويصبح الفقراء"طبقة"كتب عليها أن تموت في أكواخ من البؤس والحرمان، بل تدخل الإسلام بتشريعاته القانونية، ووصاياه الروحية والخلقية، لتقريب المسافة بين هؤلاء وأولئك، فعمل على الحد من طغيان الأغنياء، والرفع من مستوى الفقراء.
ولست هنا في مقام الحديث عن وسائل الإسلام في هذا التقريب من تحريم للربا والاحتكار والسرف والترف الخ، وإنما أتحدث عن الزكاة، فهي وسيلة بارزة من هذه الوسائل: هي أخذ من الأغنياء، وإعطاء للفقراء.
وهي أمضى سلاح في محاربة الكنز وإخراج النقود من مخابئها في الصناديق أو الشقوق، لتشارك في ميدان العمل والتثمير، بدل أن تبقى قوة معطلة شلاء، ولقد شبه من يحبس المال ويكنزه عن التداول بمن يحبس جنديا في جيش الإسلام عن مزاولة عمله في ميدان الجهاد، وهذا حق، فالدينار المتداول المستثمر جندي يعمل لخدمة الأمة ورخائها وسيادتها، والدينار المخزون المكنوز جندي قاعد أو محبوس.
ولهذا حرم الإسلام الكنز، وأعلن القرآن سخط الله على الكانزين الأشحاء وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ