فَاسْلُكُوهُ [الحاقة: 30 - 32] ثم يذكر أسباب هذا الحكم الشديد: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 33 - 34] .
ولم تر الدنيا كتابا كالقرآن يجعل إهمال الحث على العناية بالمسكين من موجبات الجحيم، والعذاب الأليم!
والزكاة - مع أنها حق الفقير - حق الجماعة أيضا، فالإنسان لم يكسب المال بجهده وحده، بل شاركت فيه جهود وأفكار وأيد كثيرة، بعضها عن قصد، وبعضها عن غير قصد، بعضها ساهم من قريب، وبعضها ساهم من بعيد، وكلها أسباب عاونت في وصول المال إلى ذي المال، فإذا نظرنا إلى التاجر مثلا كيف جمع ماله وحقق كسبه؟ رأينا للمجتمع عليه فضلا كبيرا، فممن يشتري؟ ولمن يبيع؟ ومع من يعمل؟ وبمن يسير إذا لم يكن المجتمع؟ وهكذا الزارع والصانع وكل ذي مال. فمن حق المجتمع ممثلا في الدولة التي تشرف عليه وترعى مصالحه، وتسد خلات أفراده أن يكون لها نصيب من مال ذي المال، فلو لم يكن في المجتمع المسلم أفراد فقراء أو مساكين لوجب على المسلم أن يؤدي زكاته ولا بد، لتكون رصيدا للجماعة، تنفق منه عند المقتضيات، ولتبذل منه"في سبيل الله"وهو مصرف عام دائم ما دام في الأرض إسلام.
والزكاة بعد ذلك - وقبل ذلك - حق الله تعالى، فالله هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون أرضه وسمائه، والمال في الحقيقة ماله، لأنه خالقه وواهبه وميسر سبله، ومانح الإنسان القدرة على اكتسابه.
إذا زرع الإنسان زرعا فأنبت حبا، أو غرس غرسا فآتى ثمرا فكم