حل به من الأحداث ما أفقره إلى المعونة، من حقه أن يعان ويشد أزره ويؤخذ بيده، وليس من الإيمان ولا من الإنسانية أن يشبع بعض الناس حتى يشكو التخمة، وإلى جواره من طال حرمانه حتى أن من الجوع.
ولا يجوز للمؤمن أن يعيش في دائرة نفسه مغفلا واجبه نحو الآخرين من ضعفاء ومساكين، فهذا نقص في إيمانه، موجب لسخط الله في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقص علينا القرآن مشهدا من مشاهد الآخرة بين أهل اليمين في الجنة وأهل الشمال في النار، فأصحاب اليمين {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 40 - 44] فهنا كان ترك إطعام المسكين من موجبات الخلود في سقر. وأروع من ذلك وأعجب أن القرآن لا يكتفي بإيجاب إطعام المسكين - ومثل إطعامه كسوته ورعاية ضروراته وحاجاته - بل يزيد على ذلك فيجعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه ورعايته، ويجعل ترك هذا الحض من لوازم الكفر بالله، والتكذيب بيوم الدين، نقرأ في هذا قول الله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 1 - 7] ، فقهر اليتيم وإهمال الحث على رعاية المسكين جعلا دليلا على أن القلب خلو من الإيمان بالآخرة والتصديق بالجزاء وما كان لمثل هذا الشخص من صلاة فهي صلاة الساهين المرائين.
ويقول تعالى في شأن أصحاب الشمال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 25 - 29] ثم يصدر الله عليه الحكم الذي يستحقه: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا