فكانت نفسي تهفو إلى أن أصلي مثل صلاته، كنت أعتقد أن هذه نفحات الله في الأرض يلقيها في نفوس عباده الصالحين"."
حرر الإسلام العبادة من القيود المكانية المتزمتة، ولم يشترط المكان الخاص في عبادة من عباداته إلا في الحج، لما فيه من فوائد تفوق فائدة التحرر من المكان، من التجمع العالمي للمسلمين حول أول بيت وضع للناس، وفي أرض الذكريات الإبراهيمية، والذكريات المحمدية، إلى آخر ما سنذكر في أسرار الحج.
ومع اشتراط المكان لعبادة الحج، فليس فيه أي شائبة لتأثير الكهنوت، وليس فيه أي ثغرة لتدخل الوسطاء والكهان بين المسلم وبين الله، وشأنه في ذلك شأنه في سائر عبادات الإسلام.
يقول الأستاذ العقاد (1) : إن عبادات الإسلام قد امتازت بين عبادات الأديان بمزية لا نظير لها، فهي أرفعها وأرقاها بالنظر إلى حقيقتها، أو بالنظر إلى جماهير المتدينين بها، وتلك مزيته البينة التي يرعى بها استقلال الفرد في مسائل الضمير خير رعاية تتحقق لها في نظام حياة.
فالعبادات الإسلامية بأجمعها تكليف لضمير الإنسان وحده، لا يتوقف على توسيط هيكل أو تقريب كهانة.
يصلي حيث أدركه موعد الصلاة، وأينما تكونوا فثم وجه الله.
ويصوم ويفطر في داره أو في موطن عمله.
ويحج ليذهب إلى بيت لا سلطان فيه لأصحاب سدانة، ولا حق عنده لأحد في قربانه، غير حق المساكين والمعوزين.
ويذهب إلى صلاة الجماعة، فلا تتقيد صلاته الجامعة بمراسم كهانة أو إتاوة محراب، ويؤمه في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين
(1) حقائق الإسلام، ص 112.