فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 317

فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: 27] .

بينت الآية الكريمة أن الرهبانية من ابتداع النصارى، ما كتبها الله عليهم، ولا شرعها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، قاصدين رضوان الله بزعمهم (1) ، فما رعوها حق رعايتها.

قال الحافظ ابن كثير: وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل.

وفي قوله - صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدِّدُوْا يُشَدَّدْ عَلَيْكُمْ» (2) إخبار بأن تشديد الإنسان على نفسه سبب لتشديد الله عليه.

وتشديد الله إما تشريعي تكليفي، وإما تشديد كوني قدري، وفقا لنظام الله في الأسباب والمسببات.

فالتشديد بالشرع، كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فليزمه الشرع بالوفاء به.

والتشديد بالقدر، كفعل أهل التزمت والوسوسة: شددوا على أنفسهم، فشدد القدر عليهم، حتى استحكم ذلك فيهم، وصار صفة لازمة لهم، وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم.

وإنما رفع الإسلام الحرج عن أمته، وصد النبي - صلى الله عليه وسلم - تيار التزمت والتشديد، والغلو في الدين لأمرين ذكرهما الإمام الشاطبي في موافقاته (3) :

أحدهما: الخوف من الانقطاع في الطريق، وبغض العبادة، وكراهة

(1) هذا على أحد القولين في تفسير: {إِلّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ} [الحديد: 27] ، والقول الآخر معناه: ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا رضوان الله، كما في تفسير ابن كثير، ولكن الراجح هو التفسير الأول.

(2) رواه

(3) الجزء الثاني، ص 136 وما بعدها، والمنقول بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت