واصل بهم يوما ثم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال - هلال شوال - فقال: لو تأخر الشهر لزدتكم - كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا! وقال: لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم"! وهذا كله كراهية منه للتشديد، وعقوبة للمشددين."
وروى عنه ابن عباس مرفوعا: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ» (1) وهو الغلو الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب ونهاهم عنه {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] .
روى أبو داود عن سهل بن أبي أمامة أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك زمان عمر بن عبد العزيز، وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة، دقيقة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها، فلما سلم قال لي: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أخطأت، إلا شيئا سهوت عنه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:
«لَا تُشَدِّدُوْا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] » (2) .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يشير في هذا الحديث إلى ما ذكره القرآن الكريم في سورة الحديد عن الرهبانية التي ابتدعها النصارى ولم يقوموا بحقها، قال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ
(1) رواه مسلم.
(2) والحديث ذكره ابن كثير في تفسير الآية الكريمة عن مسند أبي يعلى وهو في كتاب الأدب من سنن أبي داود باب في الحسد.