فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 317

بعض أتباعه ومريديه من التعبد بقصد تجريد النفس، وتصفيتها من الشواغل والعلائق، لتكون أهلا للاطلاع على عالم الأرواح، ورؤية الملائكة، وخوارق العادات، ونيل الكرامات، والحصول على"العلم اللدني"الموهوب من لدن الله .. وما أشبه ذلك.

أنكروا هذا وقالوا: إنه خروج عن طريق العبادة، وتخرّص على علم الغيب، ويزيد بأن جعل عبادة الله وسيلة إلى ذلك، وهو أقرب إلى الانقطاع عن العبادة؛ لأن صاحب هذا القصد داخل - بوجه ما - تحت قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] . كذلك هذا؛ إن وصل إلى ما طلب فرح به وصار قصده من التعبد، فقوي في نفسه مقصوده وضعفت العبادة.

وإن لم يصل رمى بالعبادة، وربما كذّب بنتائج الأعمال التي يهبها الله لعباده المخلصين. وقد روي أن بعض الناس سمع بحديث: «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» (1) فتعرض لذلك لينال الحكمة، فلم يفتح له بابها، فبلغت القصة بعض الفضلاء، فقال: هذا أخلص للحكمة، ولم يخلص لله!

والخلاصة، أن كل دعوة تغفل المقصد الأصلي في العبادات، وتهيل تراب النسيان عليه، وتشيد بالمقاصد الفرعية التابعة، وتسلط الأضواء عليها وحدها، هي دعوة باطلة؛ لأنها تضاد القصد الأول من العبادة، بل القصد الأول من الدين، بل القصد الأول من خلق الناس، بل من خلق السماوات والأرض.

وأما ما وراء هذه الدعوة من أغراض خبيثة؛ فإن أربابها يبطنون إلحادا

(1) ذكره رزين في كتابه عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت