أجناسا شتى من غير العرب، من رومي كصهيب، وفارسي كسلمان، وحبشي كبلال، كما ضم قبائل متباينة من العرب، من قحطانيين كالأنصار، وعدنايين كالمهاجرين، وفي هذه القبائل بطون طالما فرقت بينها العداوة والبغضاء في الجاهلية كالأوس والخزرج.
ضم المسجد هؤلاء إلى صدره الحنون، وجمعهم في رحابه الفيحاء، فكانوا بنعمة الله إخوانا، ينام أحدهم على الطوى ليشبع أخوه {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
ويبيت على صفاء من الغل والشحناء والسخط والكراهية، حتى لا ترتد عليه صلاته، ولا يقبلها الله منه، ففي الحديث: «ثَلَاثٌ لَا تَرْتَفِعُ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوْسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُوْنَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ» (1) أي متشاحنان، ومعنى هذا أن الصلاة المقبولة لا تلائم جو الكراهية والسخط والشحناء، بحال من الأحوال.
وأما المساواة فأي مساواة أوضح من تلك التي نراها في الصفوف المتراصة في المسجد؟ الأمير إلى جانب الخفير، والغني بجوار المسكين، والسيد ملاصق للخادم، والعالم الفيلسوف وعن يمينه عامل، وعن شماله فلاح؟!
فليس للمسجد لائحة تخصص الصف الأول للوزراء، والصف الثاني للنواب والثالث للمديرين أو موظفي الدرجة الأولى أو كبار الملاك.
وإنما الجميع سواسية كأسنان المشط الواحد، فمن بكر في الذهاب إلى المسجد احتل مكانته في مقدمة الصفوف أيا كانت منزلته وعمله في الناس.
ويقول الدكتور محمد إقبال:"إن اختيار قبلة واحدة لصلاة المسلمين"
(1) رواه ابن ماجه، وإسناده صحيح ورجاله ثقات، كما قال البوصيري في الزوائد.