هكذا كانت اليهودية في إغفالها للآخرة وللروح، وهكذا كانت المسيحية في تحقيرها للدنيا وللجسد.
فلما جاء الإسلام كانت سمته التوازن والاعتدال في كل الآفاق والنواحي، الاعتدال الذي يليق برسالة عامة خالدة، جاءت لتسع أقطار الأرض، وأطوار الزمن، وتشرع لشتى الأجناس والطبقات والأفراد، في مختلف شؤون الحياة، الاعتدال بين أشواق الروح وحقوق الجسد، بين بواعث الدين، ومطالب الدنيا، الاعتدال بين العمل لهذه الحياة والعمل لما بعد الحياة.
فلم يطلب الإسلام من المسلم المثالي أن يكون راهبا في دير، أو عابدا في خلوة، ليله قائم، ونهاره صائم، كل صمته فكر، وكل كلامه ذكر، وكل نظره تأملات! لا حظ له في الحياة، ولا حظ للحياة فيه.
وإنما طلب من المسلم أن يكون إنسانا عاملا في الحياة، يعمرها ويرقيها ويدفع عجلتها إلى الأمام، طلب منه أن يسعى في مناكب الأرض، ويلتمس الرزق في خباياها، زارعا أو صانعا، أو تاجرا، أو عالما أو عاملا، أو محترفا بأي حرفة نافعة، بيد أن عليه ألا تذهله مطالب الحياة عن واهب الحياة، عليه ألا يشغله حق الجسد عن حق الروح، عليه ألا تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية، عليه ألا ينسى الله فينسى حقيقة نفسه وماهية وجوده، وفي هذا يقول القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 18 - 19] .
قال ابن القيم رحمه الله في هذه الآية: تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى