شريفا عظيما، وهو أن من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه، في معاشه ومعاده، فصار معطلا مهملا، بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه، لبقائها على هداها الذي أعطاه إياها خالقها، وأما هذا فخرج عن فطرته، التي خلق عليها، فنسي ربه، فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به، وتزكو به، وتسعد به، في معاشها ومعادها، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر، حيران لا يهتدي سبيلا"."
ومهمة العبادات أن تأخذ بيد الإنسان حتى لا تغرقه أعمال الدنيا في لجة النسيان، حيث ينسى الله، فينسيه الله نفسه.
مهمة العبادات أن تقوم بالتنبيه والتذكير لمن نسي مولاه، أو غفل عن أخراه، ثم تدع الإنسان يعود بعد أدائها إلى دنياه يلقاها ساعيا حثيث الخطا، وثيق العرا.
وحسبنا أن نقرأ هاتين الآيتين من سورة الجمعة لنعرف منهما كيف وضعتا المسلم في وضعه الرشيد بين الدين والدنيا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9 - 10] .
وهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة: ثم صلاة وسعي إلى ذكر الله، ثم - بعد انقضاء الصلاة - انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله، وفضل الله هنا هو الرزق والكسب.