وإنما يعنيه أن تكون أجهزتها مستعدة على الدوام لإنجاز ما تكلف به.
فصلاحية الطيارة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة، هذه الصلاحيات هي مناط الحكم على قيمة الشيء فإذا أطمأننا إلى وجودها قبلناها ورجونا ثمرتها.
كذلك الإنسان، إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزته النفسية أولا، فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة، بصدق اليقين، وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة الله، إن آلة سك النقود يدخلها المعدن الغفل (الخام) فيخرج منها عملة مالية غالية الثمن، تحمل من الألوان والأختام والشارات ما يجعلها شيئا آخر، كذلك المسلم يعالج ما يعالج من شئون الدنيا، فيضفي عليه من طبيعة إيمانه وسناء وجهته ما يجعل أي عمل يقبل عليه يتحول في يده إلى عبادة غالية القدر.
وبهذه الصلاحية النفسية رفض الله دعوى أصحاب الذين اغتروا: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 111 - 112] .
في شئون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولا رسم تخرج فيه، إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال المطلوب.
إن شمول معنى العبادة في الإسلام - كما شرحناه - له آثار مباركة في النفس والحياة يحسها الإنسان في ذاته، ويلمسها في غيره، ويرى ظلالها في الحياة من حوله، وأبرز هذه الآثار وأعمقها أمران: