مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُوالدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا!! فَجَاءَ أَبُوالدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُوالدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنِّيْ لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيْدُ أَنْ أُطِيْلَهَا» (2) فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، لما أعلم من وجد أمه من بكائه"."
وأيضا، فقد يعجز الموغل في بعض الأعمال عن الجهاد أو غيره، وهو من أهل الغناء فيه، ولهذا قال في الحديث في داود - عليه والسلام: «كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» .
وقيل لابن مسعود - رضي الله عنه: إنك لتقل الصوم؟ فقال: إنه يشغلني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي منه ..
وكره مالك إحياء الليل كله وقال: لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة .."."
وبهذا يتبين لنا أن هذا المبدأ تتمة للمبدأ السابق، فإن الاعتدال المطلوب بين الدين والدنيا لا يمكن أن يتم إلا بتيسير العبادة وتسهيلها.
وإذا كان الإسلام قد بني على اليسر ورفع الحرج في عباداته وتكاليفه في عامة الأحوال، فإنه بصفة خاصة شرع ألوانا من الاستثناءات والإعفاءات والتسهيلات في أحوال خاصة، وهي تلك التي توجد للإنسان نوعا من المشقة يؤوده ويثقل ظهره، ويقعد به عن مواصلة السير.
(1) رواه البخاري [6139] .
(2) رواه الخمسة إلا أبا داود.