وقد بينت في كتابي"الحلال والحرام"أن الإسلام قد اعترف بالضعف الإنساني، وقدر لظروف الحياة القاسية قدرها فقرر مبدءا إنسانيا هاما لا غنى للإنسان ولا للحياة عنه، هو"الضرورات تبيح المحظورات"وهو المبدأ الذي نص عليه القرآن في غير آية كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] .
هذا في شأن الحلال والحرام.
أما في العبادات فقد قرر الإسلام فيها مبدأ هاما كذلك من أجل الحياة والإنسان، ذلك هو مبدأ"الرخص"والتخفيف أو الإعفاء في عباداته إذا اقتضت ذلك مطالب الحياة أو ضروراتها، أو هما معا.
فالسفر مثلا تقتضيه مطالب الحياة التي جاء الدين بإقرارها، بل بتمجيدها والدعوة إليها.
كالسفر لطلب الرزق: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15] ،"سَافِرُوْا تَصِحُّوْا وَتُرْزَقُوْا" (1) .
والسفر لطلب العلم:"اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ باِلصِّيْنِ" (2) .
والسفر للحج إلى بيت الله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .
والسفر لغير ذلك من الأغراض الدينية والدنيوية.
والمرض مثلا من ضرورات الحياة وبلائها الذي لا يكاد يسلم منه إنسان، بمقتضى النشأة الإنسانية و"التركيب"البشري {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] .
(1) مرسل حسن، رواه عبد الرزاق في جامعه.
(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عبد البر في جامع بيان العلم.