النية إذن هي الفيصل في كل فعل وترك. وهل الدين إلا فعل وترك؟! فعل للمأمور به إيجابا واستحبابا، وترك للمنهي عنه تحريما أو كراهة. بل هل الفضائل إلا فعل لما ينبغي، وترك لما لا ينبغي؟!
والصيام عبادة قديمة عرفتها الأديان قبل الإسلام، وإن حرّف الناسُ في كيفيته وبدّلوا. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ولكن صيام الإسلام يمتاز عن كل صيام سواه.
وقد اختار الله لهذا الصيام في الإسلام شهرا مباركا كريما، له في نفوس المسلمين مكان كريم، فهو الشهر الذي نزل فيه أول فوج من آيات القرآن العزيز، حملها الروح الأمين إلى قلب الرسول الكريم: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... } [العلق: 1] .
وجدير بشهر اصطفاه الله لينزل فيه أفضل كتبه إلى خيرة خلقه، أن يكون أهلا ليفرض فيه تلك العبادة السنوية"الصيام". قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
لقد فرض الله علينا الصيام في رمضان، وما فرضه إلا لأسرار عليا، وحِكَم بالغة، نعرف منها ما نعرف، ونجهل منها ما نجهل، ويكشف الزمن عن بعضها ما يكشف، فعلينا أن نتأمل حكمة الله من وراء هذا الجوع