فهل رأتِ الدنيا تطبيقا عمليا للسلام وتدريبا عليه كهذا الذي صنعه الإسلام في رحلة الحج: رحلة السلام إلى أرض السلام، في زمن السلام؟!
والحج يتيح للمسلم أن يشهد أعظم مؤتمر سنوي إسلامي، مؤتمر لم يدع إليه ملك أو رئيس أو حكومة أو هيئة، بل دعا إليه الله العلي الكبير الذي فرض إقامته كل عام على المسلمين.
فهناك يجد المسلم إخوانا له من قارات الدنيا الخمس، اختلفت أقاليمهم، واختلفت ألوانهم، واختلفت لغاتهم، وجمعتهم رابطة الإيمان والإسلام، ينشدون نشيدا واحدا:"لبيك اللهم لبيك".
إن هذا المؤتمر له أكثر من معنى، وأكثر من إيحاء، إنه يحيي في المسلم الأمل، ويطرد عوامل اليأس، ويبعث الهمة، ويشحذ العزم. إن التجمع يوحي دائما بالقوة، ويوقظ الآمال الغافية، والذئب إنما يأكل من الغنم الشاردة.
إن هذا المؤتمر أعظم مذكِّرٍ للمسلم بحق أخيه المسلم: وإن تباعدت الديار، وأعظم مذكّر بأخوة الإسلام، ورابطة الإيمان. هذا المؤتمر هو"الفرن العالي"الذي تذوب في حرارته النزعات القومية والوطنية، وتختفي فيه كل الشعارات والجنسيات إلا شعارا واحدا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
في هذا المؤتمر: يلتقي رجال العلم، ورجال الإصلاح، ورجال السياسة، فما أجدرهم - وقد التقوا على هدف واحد - أن يتعارفوا ويتفاهموا ويتعاونوا على تدبير أفضل الخطط، وأحسن الوسائل، ليبلغوا الأهداف، ويحققوا الآمال.
ولقد نبهنا الرسول الكريم إلى قيمة هذا المؤتمر حين اتخذ منه منبرا لإذاعة أهمّ القرارات والبلاغات التي تتصل بالسياسة العامة للمسلمين، ففي