فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 317

والحق، أن القرآن يجب أن يكون ميزاننا في درجة الاهتمام بالشيء، وأن نعطي الأمر من العناية بقدر ما أعطاه القرآن، بلا وكس ولا شطط: وهذا هو أعدل الموازين: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا؟} [المائدة: 50] .

ثالثا: التيسير، لا التّزمّت والوسوسة

وعلينا في تعليم العبادات أن نذكر هذه الكلمة النبوية المضيئة التي خاطب بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حين ثاروا بأعرابي بَالَ بالمسجد جهلا منه وجفاء، فقال لهم: «لَا تَقْطَعُوْا عَلَى الرَّجُلِ بَوْلَتَهُ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِيْنَ، وَلَمْ تُبْعَثُوْا مُعَسِّرِيْنَ» (1)

وحين بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، أوصاهما هذه الوصية الجليلة: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» (2) .

والتيسير أمر فوق التبسيط الذي ذكرناه .. التبسيط إنما يكون في التعليم، والتيسير يتناول العمل والأداء.

إننا في عصر شغل الناس فيه بحياتهم الدنيا، وغلبت عليهم النزعة المادية البغيضة .. وللشيطان في الناس سوق نافقة، وبضاعة رائجة، وعملاء مدربون ..

وعلينا - نحن معلمي الدين - أن نشحذ أسلحتنا لجهاد الشيطان ومطاردته، وتنفير أتباعه من بضاعته، وإغرائهم ببضاعتنا، وجذبهم إلى سوقنا، ولن يكون ذلك أبدا بالتعنّت والتَّزمّت، والإحراج والتشديد، والتعسير والتنفير ... ولسنا نريد أن نبتكر لأبناء العصر دينا سهلا خالصا سائغا للشاربين، وإنما دين الله نفسه: يسر لا عسر فيه، هو الذي قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وهذا نفي عام لكل حرج في الدين، فأي حرج حقيقي صادفناه فلنعلم أنه من صنع الناس، لا من شرع الله.

إن هناك بعض المتدينين الطيبين مصابون بمرض نفسي اسمه:"الوسوسة"، فنراهم يشددون على أنفسهم تشديدا لم يشرعه الله في كتابٍ ولا سنةٍ، ولم يرض به أحد من سلف هذه الأمة الصالحين الذين حملوا على الوسوسة

(1) وفي البخاري [220، 6128] : «دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» .

(2) متفق عليه: البخاري [3038] ، ومسلم [1733] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت