فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 317

وأصحابها وقالوا: إنها خبل في العقل، ونقص في الدين.

وأي خبل في العقل، وأي نقص في الدين أجلى مما ذكره عنهم الإمام ابن قدامة الحنبلي (1) (المتوفى سنة 620 هـ) في رسالته في"ذم الموسوسين والتحذير من الوسوسة"قال:

"إن طائفة من الموسوسين قد تحققت منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته، ونسبوا إلى قبول قوله وطاعته، ورغبوا عن اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطريقه، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو صلى كصلاته، أن وضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين، أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده فيه، كما لو ولغ فيهما كلب أو بال عليهما هرّ!!".

"ثم إنه بلغ في استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى شبيه بالجنون، وتقارب من مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات، فإن علم الإنسان بحال نفسه من الأمور اليقينيات الضروريات. وهؤرء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبّر ويقرأ شيئا بلسانه تسمعه أذناه، ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه، ويتيقنه إذا رأى ذلك أو سمعه منه، وهذا يصدق الشيطان في إنكاره يقين نفسه، وجحده لما رأى ببصره، وسمعه بأذنه، ثم يشك: هل فعل ذلك أم لا؟"

"وكذلك يشككه في نيته وقصده، التي يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها"

(1) كلمة:"حنبلي"في أوساط العامة من المصريين توحي بالتّزمّت والتشدد والوسوسة. ولكن الدارسين يعلمون أن المذهب الحنبلي من أيسر المذاهب الفقهية - إن لم يكن أيسرها جميعا - في العبادات والمعاملات؛ ويتبيّن ذلك في مؤلفات الإمام ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. وقد رأيت ثلاثة من أعلام الحنابلة حملوا جميعا على التنطع والوسوسة في كتبهم حملة عنيفة لا تكاد توجد في مذهب آخر، وهم: ابن قدامة في رسالته المذكورة، وابن القيم في"إغاثة اللهفان"وابن الجوزي في"تلبيس إبليس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت