غيره منه بقرائن أحواله، ومع ذلك يقبل قول إبليس في أنه ما نوى صلاة ولا أرادها، مكابرة منه لعبادته، وجحدا ليقين نفسه، حتى تراه مترددا متحيّرا، كأنه يعالج شيئا يجذبه، أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس، وقبولا من وسوسته. ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد، فقد بلغ النهاية في طاعته. ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله، وإطالة الفرك مبالغة، وربما فتح عينيه في الماء وغسل داخلها، حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه.
"وربما شغله بوسوسته حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوّت عليه ركعة أو أكثر، وربما فوّت عليه الوقت".
"ومنهم من يحلف على نفسه: لأثبتن، ولا زدت .. ويكذب".
ومنهم من يتوسوس في إخراج الحروف حتى يكرر الحرف الواحد مرتين أو ثلاثا، ورأيت منهم من يقول: أكككبر .. وقال لي إنسان: قد عجزت عن قول:"السلام عليكم"، فقلت له: قل مثل ما قلت الآن وقد استحرت!
ونحو هذا أصنافهم كثيرة.
"وقد بلغ الشيطان منهم إلى أن عذبهم في الدنيا، وأخرجهم عن اتباع نبيّهم المصطفى، وأدخلهم في جملة المتنطعين، الغالين في الدين، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
قال ابن قدامة - رحمه الله:"فمن أراد التخلص من هذه البلية، فليستشعر صحة ما ذكرناه من الحق في اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته، عزيمة من لا يشكّ في أنه - عليه الصلاة والسلام - على"