الهدي المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويتيقن أنه عدوّ لا يدعو إلى الخير، ولا يرشد إلى طائل: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
ثم ليعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله تعالى عن رسوله وصحابته خير الخلق وأفضلهم.
ولو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموسوسين، لَمَقَتَهم.
ولو أدركهم عمر، لضربهم وعزّرهم، ولو أدركهم أحد من الصحابة، لَنَبَذهم وكرههم"."
ووما نعاه الشيخ ابن قدامة على هؤلاء المسوسوسين المتنطعين: موقفهم في أشياء سهّل الشرع فيها، وشدّد هؤلاء فيها!
فمن ذلك: المشي حافيا، والصلاة من غير غسل القدمين. روى أبو داود بإسناده عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِد مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ» (1) .. وهذا ما لم يطأ على شيء رطب يعلق بالأرجل -.
ومن ذلك: الصلاة في الخفين والنعلين، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يصلّون في نعالهم .. وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى عَلَى نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا .. » (2) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» (3) ، وفي لفظ: «إِذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» (4) . رواهما أبو داود.
ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي حيثما كان، وقال - عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَكَ
(1) هذه الألفاظ مأخوذة من سنن أبي داود [384] .
(2) رواه أبو داود [650] .
(3) رواه أبو داود [385] .
(4) رواه أبو داود [386] .