فأجاز الله الكريم لهم ذلك، ما دامت النية خالصة، والمقصود الأصلي هو الحج، ولكل امرئ ما نوى.
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كانت عُكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقا في الجاهلية، فتأثّموا - أي: تحرّجوا في الموسم - أي: موسم الحج - فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. فنزلت الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
قال في تفسير المنار:"كان بعض المشركين وبعض المسلمين يتأثمون في أيام الحج من كل عمل حتى كانوا يقفلون حوانيتهم، فعلّمهم الله تعالى أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص، وقوله تعالى: {مِنْ رَبِّكُمْ} يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من الله تعالى نوع من أنواع العبادة. وروي أن عمر قال لسائل في هذا المقام: وهل كنا نعيش إلا على التجارة؟"
والحج تدريب عملي للمسلم على المبادئ الإنسانية العليا التي جاء بها الإسلام، فقد أراد الإسلام ألا تكون مبادئه وقيمه الاجتماعية مجرد شعارات أو نداءات، بل ربطها بعباداته، وشعائره ربطا وثيقا، حتى تخطّ مجراها في عقل المسلم وقلبه فهما وشعورا، ثم تخطّ مجراها في حياته سلوكا وتطبيقا.
وقد رأينا في صلاة الجماعة كيف تنمي معاني الأخوة والمساواة والحرية. وهنا في الحج ترى معنى المساواة في أجلى صورة وأتمها؛ فالجميع قد اطرحوا الملابس والأزياء المزخرفة التي تختلف باختلاف الأقطار، واختلاف الطبقات، واختلاف القدرات، واختلاف الأذواق، ولبسوا جميعا ذلك اللباس البسيط - الذي هو أشبه ما يكون بأكفان الموتى - يلبسه الملك والأمير،