فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 317

كما يلبسه المسكين والفقير، وإنهم ليطوفون بالبيت جميعا فلا تفرق بين من يملك القناطير المقنطرة، ومن لا يملك قوت يومه، ويقفون في عرفات ألوفا ألوفا، فلا تحسّ بفقر فقير، ولا غنى غنيّ، ولا تحس حين تراهم في ثيابهم البيض، وفي موقفهم المزدحم العظيم إلا أنهم أشبه بالناس في ساحة العرض الأكبر، يوم يخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون.

ولقد كانت قريش في الجاهلية ترى لنفسها فضلا على سائر العرب، فتترفع عن الوقوف معهم في عرفات وتقف في مزدلفة، فأبطل الإسلام هذه العادة، وقال تعالى بعد أن ذكر بعض أعمال الحج: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] كأنه يقول:"بعد ما تبيّن لكم ما تقدم كله من أعمال الحج، وليس فيها امتياز أحد على أحد، ولا قبيل على قبيل، وعلمتم أن المساواة وترك التفاخر من مقاصد هذه العبادة بقي شيء آخر، وهو أن تلك العبادة المميّزة لا وجه لها، فعليكم أن تفيضوا مع الناس من مكان واحد" (1) .

ولما كانوا في الجاهلية يتخذون من موسم الحج مجالا للتفاخر بالأنساب والآباء، وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطبهم في أواسط أيام التشريق ويعلنهم بمبدأ الإسلام العالمي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ .. إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ آبَاكُمْ وَاحِدٌ .. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلّا بِالتَّقْوَىن أَبَلَغْتُ؟» ، قَالُوْا: بَلَّغَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (2) .

وفي الحج نرى معنى الوحدة جليا كالشمس: وحدة في المشاعر، ووحدة في الشعائر، ووحدة في الهدف، ووحدة في العمل، ووحدة في القول، لا إقليمية ولا عنصرية، ولا عصبية للون أو جنس أو طبقة، إنما هم جميعا مسلمون، بربّ واحد يؤمنون، وببيت واحد يطوفون، ولكتابٍ واحد يقرأون، ولرسولٍ واحد يتبعون، ولأعمالٍ واحدة يؤدّون، فأي

(1) من تفسير الآية في المنار.

(2) رواه أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت