فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 317

الله تعالى: من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه. ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان يحب الظل فيحب - بالضرورة - الأشجار التي بها قوام الظل، وكل ما في الوجود - بالإضافة إلى قدرة الله تعالى - فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر، والنور بالإضافة إلى الشمس، فإن الكل من آثار قدرته تعالى، ووجود الكل تابع لوجوده، كما أن وجود النور تابع للشمس، ووجود الظل تابع للشجر"."

محبة الله إذن ضرورية لكل من عرف نفسه وعرف ربه.

ولكن الخطر إنما يكمن في ادعاء المحبة لله دون تحقيق العنصر الأول وهو الاتباع والانقياد لما جاءت به رسل الله، كاليهود والنصارى الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. مع أنهم انحرفوا عما نزلت به كتب الله، ودعا إليه رسله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فحادوا عن الصراط المستقيم.

لا بد إذن في العبادة من العنصرين معا: غاية الخضوع لله، وغاية المحبة لله، كما بين ابن تيمية رحمه الله.

وهذا البيان لحقيقة العبادة يصحح خطأ صنفين من الناس:

الصنف الأول: أسرف في دعوى المحبة، حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع الربوبية التي لا تصلح إلا الله، فيدعي أحدهم دعاوي تتجاوز حدود الأنبياء المرسلين - فضلا عن عامة الناس - أو يطلب من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا الله، لا يصلح الأنبياء ولا للمرسلين. قال ابن تيمية: وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ (يعني من المتصوفة) وسببه: ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وحررها الأمر والنهي، الذي جاءوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت