وإذا ضعف العقل، وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويكون سببا لبغض المحبوب له، ونفوره منه، بل سببا لعقوبته.
"وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدين. إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوي الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا برئ منه! فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه برئ!".
فالأول: جعل مريده يخرج كل من في النار.
الثاني: جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار.
"ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم، حتى لا يدخلها أحد!! وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين، هي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم".
"ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة فناء يسقط فيها تمييز الإنسان، أو يضعف حتى لا يدري ما قال (1) . والسكر هو لذة مع عدم تمييز. ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائنا ما كان. ولهذا أنزل الله محنة (اختبارا) يمتحن بها المحب فقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته - صلى الله عليه وسلم - ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضوع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر، وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته."
(1) نلاحظ أنه لم يكفرهم مع خطورة ما قالوا، والتبس لهم العذر بغلبة الأحوال عليهم، لعظم شأن التكفير وخطره، كما سنبين في كتاب مستقلّ بإذن الله.