فهرس الكتاب
وحديث أنس: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين - عمودين - فقال: «مَا هَذَا؟» قَالُوْا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، تُصَلِّيْ، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: «حُلُّوْهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ» (1) .
وحديث معاذ حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟؟» حين أطال الصلاة بالناس وقال: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِيْنَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ - أي ليخفف - فَإِنَّ فِيْهِمْ الضَّعِيْفَ وَالْكَبِيْرَ وَذَا الْحَاجَةِ» (2) .
ونهى عن الوصال رحمة بهم، ونهى عن النذر وقال: «إِنَّ اللهَ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيْلِ، وَإِنَّهُ لَا يُغْنِيْ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا» (3) ، أو كما قال.
ففي هذا كله نرى المعنى معقولا، والعلة واضحة، من خوف السآمة والملل والعجز، وبغض الطاعة وكراهيتها، وقد جاء عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ مَتِيْنٌ فَأَوْغِلُوْا فِيْهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضُوْا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عِبَادَةَ اللهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» (4) .
وأما الثاني: فإن المكلف مطلوب بأعمال ووظائف شرعية، لا بد له منها، ولا محيص له عنها، يقوم بحق ربه تعالى، فإذا أوغل في عمل شاق، فربما قطعه عن غيره، ولا سيما حقوق الغير التي تتعلق به، فتكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعا عما كلفه الله به، فيقصر فيه، فيكون بذلك ملوما غير معذور، إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها، ولا بحال من أحواله فيها.
ذكر البخاري عن أبي جحيفة قال: آخَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ - وهي زوجه -
(1) رواه البخاري وأبو داود والنسائي.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه البخاري.
(4) رواه أحمد والبيهقي بلفظ قريب منه.