يوازي عمل يده في الحرث والسقي والتعهد بجانب عمل يد الله الذي جعل الأرض ذلولا، وأنزل الماء من السماء مطرا؟ وأجراه في الأرض نهرا، وهيأ للحبة في باطن التراب غذاءها حتى صارت شجرة مورقة مثمرة؟ ألا ما أقل عمل الإنسان وجهده بجانب رعاية الله!
ثم ما عمل الإنسان إذا لم يهبه الله الأدوات التي بها يعمل، والعقل الذي به يفكر ويدبر؟
لهذا يبين القرآن فضل الله على عباده، ويرد الحق إلى نصابه، فيقول: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ؟!} [الواقعة: 63 - 70] .
ويقول في سورة أخرى {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس: 24 - 28] .
وفي سورة ثالثة يقول: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ؟!} [يس: 33 - 35] .
نعم"أفلا يشكرون"وهم يأكلون من ثمار لم تعملها أيديهم وإنما عملتها يد الله، الله الذي أحيا الأرض الميتة وأخرج منها الحب، وأنشأ الجنات وفجر العيون.
وليس عمل يد الله في الزراعة فحسب، بل في كل ناحية من الحياة: زراعة أو تجارة أو صناعة أو غيرها، ففي الصناعة مثلا نجد المادة الخام من خلق الله لا من إنتاج الإنسان، ومن هنا امتن الله على الناس بمادة الحديد