فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 317

وفروجهم يدورون، نشيدهم الدائم قول القائل:

إنما الدنيا طعام ÷ وشراب ومنام

فإذا فاتَك هذا ÷ فعلى الدنيا السلام

أولئك الذين وصفهم الله بقوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 43 - 44] .

ذلكم هو الإنسان، روح وجسد، فلجسده مطالب من جنس عالمه السفلي، وللروح مطالب من جنس عالمها العلوي، فإذا أخضع الإنسان أشواق روحه لمطالب جسده، وحكّم غريزته في عقله، استحال من ملاك رحيم إلى حيوان ذميم، وربما إلى شيطان رجيم، هذا الذي ناداه الشاعر المؤمن:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ÷ أتطلب الربح مما فيه خسران؟!

أقبل على النفس واستكمل فضائلها ÷ فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان!!

أما إذا عرف الإنسان قيمة نفسه، وأدرك سرّ الله فيه، وحكّم جانبه السماوي في جانبه الأرضي، وعنى بالراكب قبل المطية، وبالساكن قبل الجدران، وغلّب أشواق الروح على نوازع الجسد، فقد صار ملاكا أو خيرا من الملاك: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] .

ومن هنا، فرض الله الصيام، ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبا أن يرتقي روح الصائم ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك. وفي هذا المعنى يقول النبي - صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت