فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 317

للمسلمين في رمضان، وتطوّعا في غير رمضان؟! لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثا عن تقوية الإرادة أثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هي الصوم. أما الإسلام فقد سبق علماء النفس كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول للشباب: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ .. مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (1) .

ولأن رمضان يُعلّم الصبر نسبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليه، فقال: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» (2) .

وروي عنه في حديث آخر: «لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» (3) .

وإنما كان الصوم نصف الصبر، لأن في الإنسان قوى ثلاثا: قوة شهوية، كالتي في البهائم، وقوة غضبية كالتي في السباع، وقوة روحية كالتي في الملائكة، فإذا تغلّبت قوّته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر، وفي الصوم يتغلّب المسلم على قوته الشهوانية من بطن وفرج، فكان الصوم حقا نصف الصبر.

إن الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأول عدة للجهاد هو الصبر والإرادة القوية، فإن من لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوا؛ ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير. والصوم - بما فيه من صبر وفطام للنفوس - من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط

(1) رواه البخاري.

(2) رواه أحمد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي، والبزار، ورجاله رجال الصحيح.

(3) رواه ابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت