الوفاء والصلة والصبر والإنفاق .. لكن الملحوظ فيها أنها ليست مجرد أخلاق (مدنية) ، وإنما هي أخلاق (ربانية) أو (دينية) . أخلاق فيها معنى العبادة والتقوى. فهم إنما يوفون {بِعَهْدِ اللهِ} ، وإنما يَصِلُوْنَ {مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ َاْن يُوصَلَ} . وهم إنما يفعلون ويتركون لأنهم: {يَخْشَونَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} وهم إنما يصبرون: {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} فهم في كل أخلاقهم وسلوكهم يرجون الله، ويرجون اليوم الآخر.
ومن أراد الإنصاف والإصلاح فلينهج نهج القرآن الحكيم؛ حيث ينظم العقائد والعبادات والأخلاق والأعمال الطيبة كلها في سلك واحد ينتظم منه عقد جميل، هو صفات المؤمن البارّ التقي.
نجد ذلك فيما ذكرناه من آيات في سور شتى، وفي غيرها من السور"لوحات"كثيرة تصوّر لنا المؤمنين الصادقين، نكتفي منها باثنتين.
الأولى: قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
جمعت الآية لهم بين العقيدة التي تتجلى في الإيمان بالله وما بعده، وبين العمل الذي يتجلى في إيتاء المال على حبه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وبين الأخلاق التي تتجلى في الوفاء والصبر.
والثانية: قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ