فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 317

فهي - كما ذكرنا - أخلاق ربانية باعثها الإيمان بالله، وحاديها الرجاء في الآخرة، وغرضها رضوان الله ومثوبته، فهو يصدق الحديث، ويؤدّي الأمانة، ويفي بالعهد، ويصبر في البأساء والضراء وحين البأس، ويغيث اللهيف، ويعين الضعيف، ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويرعى الفضيلة في سلوكه - كل ذلك ابتغاء وجه ربه، وطلبا لما عنده تعالى. وقد تلونا في ذلك آيات من القرآن، ونكتفي هنا بما وصف الله به الأبرار من عباده من البذل والرحمة والإيثار، إذ قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] . ثم يكشف القرآن عن حقيقة بواعثهم، وطوايا نفوسهم، فيقول معبرا عن لسانهم: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 9 - 10] .

ثم إن أخلاق المؤمن عبادة من ناحية أخرى، هي أن مقياسه في الفضيلة والرذيلة، ومرجعه فيما يأخذ وما يدع هو أمر الله ونهيه.

فالضمير وحده ليس بمعصوم، وكم من أفراد وجماعات رضيت ضمائرهم بقبائح الأعمال (1) .

والعقل وحده ليس بمأمون؛ لأنه محدود بالبيئة والظروف، ومتأثر بالأهواء والنزعات، وفي الاختلاف الشاسع للفلاسفة الأخلاقيين في مقياس الحكم الخلقي دليل واضح على ما نقول.

والعرف لا ثبات له ولا عموم، لأنه يتغير من جيل إلى جيل، وفي الجيل الواحد من بلد إلى بلد، وفي البلد الواحد من إقليم إلى إقليم.

لذلك، التجأ المؤمن إلى المصدر المعصوم المأمون الذي لا يضل ولا ينسى،

(1) انظر بحث"خرافة الضمير بلا إيمان"في كتابنا:"الإيمان والحياة"، ص 256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت