قسمان فقط ذكرهما القرآن: طلاب دنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، وهم ذلك الصنف الذي توعده الله في آية أخرى، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18] .
وطلاب دنيا وآخرة يطلبون الحسنة في الحياتين، والسعادة في الدارين، دعاؤهم: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] ، وفسر الحسنة في الدنيا بما شئت، من العافية أو المرأة الصالحة، أو الأولاد الأبرار، أو العلم النافع، أو الرزق الواسع، أو المحبة بين الناس، أو نحو ذلك، فكل هذا مما يحقق حسنة الدنيا.
ولم يذكر القرآن القسم الثالث من الناس - بحسب التقسيم العقلي - وهو من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، وما له في الدنيا من أرب، وكأنه يعلمنا أن هذا الصنف لا يكاد يوجد في الناس، فالحياة بمتاعبها الجمة، وحقوقها المتنوعة، تفرض على طالب الآخرة أن يدعو ربه لييسر له سبيل دنياه، ويعينه على أداء حقوقها، ويخفف عنه متاعبها.
ثم هو يشعرنا أن إهمال الدنيا، وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة، إنما هو أمر مذموم خارج عن سنة الفطرة، وصراط الدين معا.
ولهذا لم يقبل رسول الله فكرة الانقطاع عن الدنيا من أجل الرغبة في الآخرة، والاعتزال المطلق لعبادة الله، وكلما رمق في بعض أصحابه نزعة إلى هذا اللون من السلوك الذي عرف في بعض الأديان الأخرى، قوم عوج أفكارهم، وهداهم إلى التي هي أقوم، وأعلنهم بهذه الحقيقة التي تميزت بها رسالته العالمية الأخيرة"إن الرهبانية لم تكتب علينا"ليعلموا أن دينهم ليس دين اعتكاف وعزلة، وإنما هو دين حياة وتقدم وعمران.