التي يزهي بها الناس ويختالون، والاقتصار على لبس ثياب بيضاء متواضعة لم تعمل فيها يد الصنعة والتزويق هي أقرب ما تكون إلى الثبات التي يكفن فيها الموتى من المؤمنين، وهو تحقيق لمبدأ العودة إلى طهارة الطبيعة الذي دعا إليه"روسو"وغيره من الفلاسفة ولم يحققوه.
وبعد هذا: يرفع الحاج صوته بهذا الشعار الذي هو النشيد العام للحجاج جميعا طوال أيام الحج ومواقفه:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد، والنعمة، لك والملك، لا شريك له".
وكأنه بهذا الشعار يلبي هذا النداء الإلهي القديم، الذي أمر الله به إبراهيم الخليل - عليه السلام - أن يُؤَذِّن به في الناس: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26 - 27] .
وأهم أعمال الحج بعد الإحرام: الطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة في نهار التاسع من ذي الحجة.
ودون ذلك في الأهمية: رمي الجمار، والمبيت بمنى، وذبح الهدي، فضلا عن السنن والمستحبات الأخرى.
وقد كان كثير من هذه الأعمال في حج الجاهليين، توارثوه عن ملة إبراهيم، ولكنهم خلطوا حقا بباطل، وصالحا بسيء، فحرفوا الحج عن وجهته، وملأوا الكعبة - بيت التوحيد - بالأنصاب والأوثان، واتخذوا هذه الأنصاب آلهة مع الله، يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها، وذبحوا باسمها وقالوا: هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا - آلهتنا - ثم إنهم اصطنعوا لهم في الحج تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، منها طوافهم حول البيت عرايا، زاعمين أنه لا يليق بهم أن يطوفوا ببيت الله بثياب ارتكبوا فيها الذنوب، وحرموا على أنفسهم بعض طيبات الطعام، كالدسم وما وراء القوت.