فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 317

وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: 24] . انتهى.

وبهذا الشرح العميق لمعنى العبادة وحقيقتها، ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله.

فليس عبدا ولا عابدا لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع نهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، ولا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق معنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

وأساس الخضوع لله تعالى هو الشعور الواعي بوحدانيته تعالى، وقهره لكل من في الوجود، وما في الوجود، فكلهم عبيده وخلقه، وفي قبضة قدرته وسلطانه، وفي هذا يقول القرآن الكريم:

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلِ اللَّهُ، قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ؟ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 15 - 16] .

أساس الخضوع لله الواحد القهار هو الشعور الذاتي بالحاجة إلى من يملك الضر والنفع والموت والحياة، ومن له الخلق والأمر، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن إذا أراد شيئا قل له {كُنْ} فيكون .. الشعور بالضعف أمام من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت