يُؤَيِّسْهُمْ مِنْ رُوْحِ اللهِ، وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى مَا سِوَاهُ» (1) . وقد سأل فرقدٌ السبخيُّ الحَسَنَ عن شيء، فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك! فقال الحسن - رحمه الله: ثكلتك أمك يا فرقد، وهل رأيت فقيها بعينك؟! إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكافّ نفسَه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم.
قال الغزالي: ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى.
ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر". ا. هـ."
هذا ما ذكره الإمام الغزالي. وبهذا، يتضح لنا أن الذي نريده بفقه العبادة إنما هو الفقه كما كان في العصر الأول، هو الفقه الذي يرقق القلوب، ويطهّر النفوس، ويذكر بالآخرة، ويضيء الطريق إلى الله.
فقه الصلاة مثلا، هو إدراك سرّها، والنفوذ إلى لبّها وروحها، وعلم الصلاة هو المعرفة الجافة بشرائطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها.
فقه الصلاة يتمثل في مثل ما روي عن حاتم الأصم وقد سئل: كيف تقيم صلاتك؟ فقال:"أتوضأ فأسبغ الوضوء ثم آتي موضع الصلاة بسكينة ووقار، فأكبر تكبيرا بتوقير، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعا بتخشع، وأسجد سجودًا بتذلل، وأتمثل الجنة عن يميني، والنار عن شمالي، والصراط تحت قدميّ، والكعبة بين حاجبيّ، وملك الموت على رأسي، وذنوبي محيطة بي، وعين الله ناظرة إليّ، وأعتبرها آخر صلاة لي، وأتبعها الإخلاص ما استطعت، ثم أسلّم وأنا لا أدري: أيقبلها الله مني أم يردّها عليّ؟!"
وسبيلنا إلى ذلك: ألا نعرض العبادات جافّة جامدة كأنها نظريات الهندسة
(1) رواه ابن عبد البر، والأكثر يوقفه عن علي.