فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 244

مراتب الأدلة(1)

الذي درس قواعد أصول الفقه يعلم أن هذه القواعد وجدت من حين وجد الاجتهاد، وكان لكل فقيه قواعده التي يطبقها في اجتهاده، قد تتفق أو تختلف مع قواعد غيره من الفقهاء، وقد اجتهد فقهاء الصحابة - رضوان الله عليهم - ومَن بعدهم، ثم سمي علم أصول الفقه.

ومن هذه القواعد: ترتيب الأدلة حين الاستدلال، فقد روى الإمام البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا جاء الخصوم، نظر في كتاب الله، فإن وجد ما يقضي به، قضى به، فإن لم يجدن بحث في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا وجد، قضى بها، وإن لم يجد قال: أقول فيها برأي. وكذلك عمر - رضوان الله عليه - يفعل.

فكانوا يجتهدون الرأي مسترشدين بالكتاب والسنة، وبما عرفوا من أسرار الشريعة وحكمها وأغراضها بما يحقق العدالة والمساواة وتقضي به مصلحة الأمة وحاجة الناس، أو تطبيق القواعد العامة، أو القياس، أو غيره من القواعد.

فكان الإمام أبو حنيفة يرتب بين الأدلة التي يعمل بها. فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فإذا لم أجده فيه، أخذت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآثار الصحاح، وإلا أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع من شئت، ثم لم أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا - وفي رواية: فهم رجال، ونحن رجال.

وقد اشترط الإمام أبو حنيفة شروطا لتلقي الحديث، وتوسع في القياس والفقه التقديري، وهكذا حسب البيئة والأحوال التي كانت عليها أحوال أهل العراق.

كان يعتمد بجانب الأدلة الأربعة (الكتاب - السنة - الإجماع - القياس) على عمل أهل المدينة والمصالح المرسلة، وقول الصحابي، والاستحسان، وكان يقدم خبر الواحد على القياس، لكنه اشترط في قبول خبر الواحد عدم مخالفته عمل أهل المدينة، ويرى في ذلك أن عمل أهل المدينة بمنزلة رواية الكثرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

كان بجانب الأدلة الأربعة، يأخذ بالسنة الصحيحة، ولا يشترط ما اشترطه الإمام أبو

(1) راجع مقالات في تاريخ الفقه الإسلامي لفضيلة الشيخ عبد العال عطوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت