بها مع الناس في السلوك، أو يتحاورون بها مع المخالفين في الفكر، فقد غلب عليها المخاطبة بالخشونة والشدة والمواجهة بالغلظة والحدة، ولم يعد جدالهم لمعارضيهم بالتي هي أحسن، بل بالتي هي أخشن، ولم يفرّقوا بين الكبير والصغير، ولم يميّزوا بين من له حرمة خاصة كالأب والأمّ، ومن ليس كذلك، ولا بين من له حق التوقير والتكريم كالعالم والفقيه، والمعلم والمربي، ومن ليس كذلم، ولا بين من له سابقة في الدعوة والجهاد، ومن لا سابقة له، ولم يفصلوا بين من له عذر إلى حدّ ما - كالعوام والأميين والمخدوعين - من الجماهير المشغولة بمعاشها ومتاعبها اليومية، ومن لا عذر له، ومَن يقاوم الإسلام من حقد أو عمالة أو خيانة، ويقتحم النار على بصيرة (1) .
إن الداعي لا بد وأن يُشعر المدعو بأنه لا يتعالى عليه، أو يتميّز دونه، بل هو حريص عليه، يتمنى له كل الخير، لأن حرص الداعي مفتاح من مفاتيح القلوب التي يفتح بها الله قلب مَن يحب من عباده.
ولك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - ينفطر وتذهب نفسه حسرات لما يرى من كفر الكافرين: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] ، ويصف ربنا حاله هذه فيقول له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] أي فلعلك قاتل نفسك - يا محمد - ومهلكها غمًّا وحزنا على فراقهم وتولّيهم وإعراضهم عن الإيمان، فما يستحق هؤلاء أن تحزن وتأسف عليهم، والآية تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (2) .
وهكذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتصر قلبه الشريف وهو يرى الكافرين يركضون ويتسابقون إلى النار، بينما الجنة أقرب إليهم من شراك نعلهم إن هم أطاعوا الله، وأطاعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. فما بالك بالساهين اللاهين من المسلمين؟! ألا تشفق عليهم وتكون أشد حرصا عليهم، وتتمنى لهم الخير الذي أنعم الله به عليك وتقول لهم:"أنتم تلقون بأنفسكم في النار، وأنا آخذ بحجزكم"، فكن حريصا على من تدعوه، يلين قلبه لك.
ملاطفة من يرجى إسلامه لتأليف قلبه أمر مرغوب فيه. فهذا بالنسبة للكافر. فما بالك بمن يرجى توبته وهو المسلم الذي شهد شهادة الحق، أليس أحق بالملاطفة من الذي يرجى إسلامه وهو كافر؟ إنه نوع من الرقة في المعاملة عليها تفتح قلبه، وهذا أصل من أصول الدعوة، ذلك لأن القرآن الكريم لم يذكر الغلظة والشدة إلا في موضعين:
أولا: في قلب المعركة ومواجهة الأعداء، حيث توجب العسكرية الناجحة: الصلابةَ عند اللقاء، وعزل مشاعر اللين، حتى تضع الحرب أوزارها. وفي هذا يقول تعالى: يَاأَيُّهَا
(1) الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرّف للدكتور يوسف القرضاوي، ص 48 - 49.
(2) صفوة التفاسير (2/ 183) الكهف.