وهو يقصد بالفرائض الأعمال المفروضة، والشرائع أي العقائد الدينية، وحدودا يعني المنهيات، وسننا أي المندوبات، سأبيّنها لكم لا يقصد الأصول، فهي معروفة، وسأبيّن تعاريفها، وهنا كما رأيت نكتة لطيفة تبين تأخير البيان أيضا.
واسمع إلى فقه الإمام الفخر وهو يقول عن"طلاق الرجعة":"إن الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة أم لا؟ فإذا فارقه، عند ذلك يظهر. فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع، لعظمت المشقة على الإنسان، إذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده" (1) .
فانظر إلى رحمات الله بعباده، وكيف يسّر لهم السبيل، وأعانهم على طاعته، وما أعظم ترجمة الإمام البخاري تحت عنوان: كتمان بعض العلم خوفا من الجور والقتل شرط أن يكون هذا العلم ليس من الأحكام، أو قال: كتمان بعض العلم خشية أن ينكر عليه مَن لم يألفه، أو يعترض عليه. ثم ساق الحديث الآتي: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي عن ابن ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وِعَاءين، أما أحدهما، فبثثتُه، وأما الآخر فلو بثثْتُه قُطِع هذا البلعوم (يعني: القتل) .
وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثّه على الأحاديث التي فيها أسامى أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به، خوفا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستّين، وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة.
قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين. قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله:"قُطِع"أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها، لما ذكر في الآية الدالة على ذم من كتم علما.
وقال غيره يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه ويعترض عليه من لا شعور
(1) التفسير الكبير، للفخر الرازي (6/ 105) ، بشيء من الاختصار.