-رضي الله عنه - ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، تتابع في هذا الشراب؟ قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي {غَافِرِ الذَّنْبِ، وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ، ذِي الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3] ، ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب إلى الله، فلما بلغ الرجل كتاب عمر - رضي الله عنه - جعل يقرؤه ويردده ويقول: {غَافِرِ الذَّنْبِ، وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ} قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع، فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره، قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زلّ زلّة، فسدّدوه، ووثّقوه، وادعوا له أن يتوب، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه (1) .
لا شك أن أدب الداعي يجذب المستمع إليه، وخاصة إذا أقبل بحديثه على من يدعوه بالنظر إليه، والاهتمام به حتى يشعره بأنه يهتم به، ويستريح للقائه، فيملك قلبه، ويعمق آصرة المحبة والثقة بينه وبينه، وله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، إذ كان يقبل - صلى الله عليه وسلم - بوجهه وحديثه على شرّ القوم يتألّفه بذلك.
وهو إذ يتحدث إلى مستعمه يتكلم بتؤدة وتمهّل، حتى يفهم السامع ما يقول. روى الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْرُدُ الْحَدِيْثَ كَسَرْدِكُمْ هَذَا، يُحَدِّثُ حَدِيْثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ» .
وفي رواية أبي داود: «كَانَ كَلَامُ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ» .
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا حدّثه أحد التفت إليه بوجهه وجسمه، وأصغى إليه تمام الإصغاء، ولا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه (2) .
فحين ناقش عتبة بن أبي ربيعة: زعيم بني أمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي عرض فيها عروضا، ظنوها مغرية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كنت تريد مالا أعطيناك، وإن كنت تريد سيادة سوّدناك علينا - إلى آخر ما قالوا، صمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسمع إلى عتبة، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه، قال: أفرغتَ يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: أو تسمع مني؟ قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم
حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ... الآياتِ [فصلت: 1 - 4] .
فلما سمعها عتبة، أنصت لها، وألقى ظهره معتمدا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
(1) حياة الصحابة (1/ 156) .
(2) تفسير ابن كثير (4/ 70) ، حياة الصحابة (3/ 338) .
(3) كتاب"مع الله"للشيخ الغزالي، ص 179.