والصدق درجات:
أ- صدق اللسان، فحقٌّ على كل عبد أن يحفظ ألفاظه، فلا يتكلم إلا بالصدق، وكمال صدق القول: الاحتراز من المعاريض، فقد قيل:"فِي الْمَعَارِيْضِ مَنْدُوْحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ"، وذلك لأنها تقوم مقام الكذب، إلا أن ذلك مما تمسّ إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في بعض الأحيان، كالحذر من الظلمة، أو في قتال الأعداء، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي سأله مِن أين أنتم؟ قال: «مِنْ مَاءٍ!» ، وكما عرّض يوسف لإخوته ...
وهكذا يستشعر الداعي بينه وبين نفسه، وهو يناجي ربّه، كي يكون الصدق رائده في كل شيء، فهو يستحيي من الله أن يقول بلسانه: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} [الأنعام: 79] ولُبُّه منصرفٌ عن الله تعالى مشغول بأماني الدنيا وشهواتها، فهو في مقولته هذه يعتبر كاذبا، ويقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] ، وهو في الحقيقة عَبْدٌ لدرهمه، وعبدٌ لديناره، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّيْنَارِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيْصَةِ» (1) .
ويقول: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وهو يستعين بغيره من البشر، فكما يكون حاله مع الله، فسيكون حالُه مع الناس كذلك.
ب- صدق النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس، بطل يصدق النية.
جـ- صدق العزم، وهو الحزم بقوة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردّد، وصفه الله تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21] .
د- صدق الوفاء بالعهد، ولذلك قال ربنا: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] ، فقد روي عن أنس أَنَّ عَمَّهُ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ وَقَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غِبْتُ عَنْهُ؟! أَمَا وَاللهِ، لَئِنْ أَرَانِي اللهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَشَهِدَ أُحُدًا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدٌ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، إِنِّيْ أَجِدُ رِيْحَهَا دُونَ أُحُدٍ؟ قَالَ: فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ رَمْيَةٍ، وَضَرْبَةٍ، فَقَالَتْ أُخْتُهُ: مَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] (2) .
هـ- الصدق في الأعمال، وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في
(1) أخرجها ابن ماجه.
(2) رُوِيتْ هذه القصة عن طريق سعد بن معاذ، ورواه البخاري من طريق ثمامة عن أنس أيضا، وأخرجه ابن منده من طريق حمّاد عن ثابت عن أنس.