فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 244

يطيقون قبل أن يعرفوهم بدعوتهم أو يتعرفوا على ربهم، ألا ترى يوسف - عليه السلام - حين قاله له صاحبه في السجن: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] ، لم يقل: هذا حرام، ولكن ترك هذه القضية، وتحدث معه في الأصل الذي يستقيم به الأمر طاعة لله، فقال: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39 - 40] .

واقرأ سورة الأنعام كمثال يوضح لك ما نقول، تجد: أن السورة تعرفنا أولا وقبل كل شيء سرّ وجودنا ووجود هذا الكون من حولنا، من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وكيف؟ وإلى أين نذهب؟ ومن الذي أوجدنا من العدم؟ وما هذا الوجود الذي نحسه ونراه، من أنشأه بهذه الدقة وهذا النظام المحكم؟ ومن الذي يديره ويدبره؟ وكيف نتعامل مع هذا الكون - والإنسان - والحياة - وخالق الكون كله.

ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية للتعريف بالخالق - جلّ وعلا - حتى تطهر النفوس والأخلاق - وتزكو القلوب والأرواح بعد أن تتعرف على حقيقة الألوهية، لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق، وتعبيد ضمائرهم وأرواحهم، وتعبيد سعيهم وحركتهم، وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم، فالله هو الخالق، والله هو الرازق، وهو المالك، والله هو العليم بالغيوب والأسرار، يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار.

وتعيش في هذا الجو الرباني من التعريف من أول السورة إلى ما يقرب من جزء منها، ثم بعد ذلك، وقرب نهايتها، وفي الربع الأخير منها ترى التكاليف بعد التعريف في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَو أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} ويتكرر بعد ذلك لفظ: {قُلْ} ، {قُلْ} .

وهكذا عرّفنا ربُّنا بنفسه وقدرته وصفاته وأفعاله قبل أن يكلفنا بأوامره، هذا مثال واحد من منهج القرآن في التعريف قبل التكليف، والقرآن مليء بكثير من هذه المعاني، فليتنا نتدبرها، ونهتدي بهديه، ونقتدي بمنهجه.

إن التعريف بالحق أولا، والاهتداء إليه نعمة جزيلة، وانشرح الصدر به خير غزير.

وأول ما يجب على أصحاب الحق - وقد عرفوه - أن يفتحوا عيون الآخرين على ضوئه، وأن يعرفوا الجاهلين به، وأن يجعلوه في الحياة واضحا كشعاع الشمس، شاسعا كأمواج الهواء.

ذاك ما يفرضه الحق على أصحابه، ألا يجعلوه عليهم حكرا، وألا يحرموا من نفعه أحدا، وألا يدعوا نفسا تعيش بعيدة عن هداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت