فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 244

وليس العيب في الخلاف، ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم، هذه النظرة إلى الأمور الخلافية، جمعت القلوب المتفرقة على الفكرة الواحدة:"وحسب الناس أن يجتمعوا على ما يصير به المسلم مسلما"، كما قال زيد - رضي الله عنه - (1) .

أين هذا الفهم؟ وهذا الفقه من الذين يختلفون مع الناس في هيئات الصلاة أو عدد درجات المنبر، أو وقت القنوت في الفجر، أو بعد الوتر، أو عند النوازل فقط، وما أكثر الأمور الفرعية التي تثار فتفرق الصف ولا تجمعهم، فأحرى بالداعي أن يبدأ مع الناس بالأصول التي تجمع، فإن كان هناك خلاف في فرع، استخدمنا القاعدة الذهبية التي قالها الإمامم البنا - رضوان الله عليه:"نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، وهنا تتلاقى القلوب، وتتوحد الصفوف، إن خلصت النوايا.

ولذلك، وجب علينا أن نراعي حين البدء بالدعوة أن نبدأ:

-بالأصول قبل الفروع.

-والكليات قبل الجزئيات.

-والإجمال قبل التفصيل.

إن بعض الشباب لا همّ له إلا إثارة الخلاف، والتشبث به حتى أصبح الخلاف عندهم أصلا يجتمعون عليه ويفترقون من أجله.

يقول الأستاذ محمد الغزالي: لاحظت شابا يتكلم بحقد على أحد الدعاة، قلت: ما تنقم منه؟ قال: ما يعرف السنة؟ ألا ترى إسباله لثوبه؟ وما يحسن الصلاة!! يقعد وقدماه على هيئة كذا، قلت: تكره مسلما وتتمنى له الشر لهذه الصغائر؟ إن تضخيم هذه الأمور دليل مرض نفسي، ومعصية قلبك أبعد عن المغفرة من اضطراب مظهره، ولعله أقرب إلى الله منك.

وعلى هذا النحو ترى رجلا يتبع مذهبا في العقيدة أو في فقه الفروع، فيحسب أن اهتداءه إلى هذا المعنى، أو إلى هذا المسلك، قد جمع له المجد من أطرافه، فلا حرج عليه أن يتصرف كيف يشاء، وكأنما قال الله له:"افعل ما شئت فقد غفرت لك" (2) .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللهُ» ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: «اللهُ» ، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ،

(1) مجموعة الرسائل، للأستاذ حسن البنا، المؤتمر الخامس، ص 158.

(2) مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، للشيخ محمد الغزالي، ص 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت