فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 244

في شرائعها، ربها واحد، ورسولها واحد، وكتابها واحد.

ولذا، فلا بد أن نبدأ مع الناس بالأصول أولا؛ لأن بعض الناس يصرون على أن مناط الأمر في التفاصيل الدقيقة للألوهية، فيطلبون ممن يدعونهم تحديد معنى الألوهية، ومعنى الربوبية، والأسماء والصفات، بل ومعرفة كل صفة من الصفات وكل فعل من الأفعال، بينما المطلوب معرفة الإيمان معرفة واضحة لا غموض فيها ولا إبهام، أما تفاصيل الأحكام، فهي فرض كفاية، كما قال ربنا: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .

فعامة المسلمين مطلوب منهم أن يؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأن كل مسلم عليه صلاة يجب أن يؤديها، وزكاة يدفعها، وحجًّا يقصده إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهرا يصومه، وأن يتحلى بالفضائل، ويتخلى عن الرذائل .. إلخ، فنبدأ معه بالإيمان، ليفقهه إن كان يجهله، ثم نبين له الفرائض، ثم نتدرج معه إلى الفضائل، فإن سأل عن الصلاة أجبناه عن الفروض الخمس، فإن أقسم ألا يزيد ولا ينقص، قلنا: أفلح إن صدق، وهكذا حتى يتذوّق للإيمان طعما، فيحب لله، ويبغض لله، ويعطي لله، ويمنع لله، ويستكمل الإيمان: {لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ، فنكون بذلك قد وصلنا معه إلى الغاية المنشودة والشخصية الإسلامية المطلوبة.

واسمع إلى طلحة بن عبيد الله يقول: إِنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا» ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا» ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» (1) .

ويجب أن نعلم أن الخلاف الفقهي في الفرعيات أمر ضروري لا بد منه، إذ إن أصول الإسلام: آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصوّرها العقول والأفهام، لهذا كان الخلاف واقعا بين الصحابة أنفسهم، وما زال كذلك، وسيظل إلى يوم القيامة، وما أحكم الإمامَ مالكًا - رضي الله عنه - حين قال لأبي جعفر وقد أراد أن يحمل الناس على الموطأ:"إن أصحاب محمد - صلى الله عليه عليه - تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حمّلتم على رأي واحد، تكون فتنة".

(1) البخاري (4/ 102) كتاب الصيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت