قال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله - عزّ وجلّ - دلّنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيّه أن أحب الأعمال: إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل المعصية الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فنزلت الآية (1) .
إن أهم سمات الداعي إلى الله: الصدق، والاستقامة، فيكون ظاهره كباطنه، وأن يطابق فعله قوله، وهذه السمة يحرص على إبرازها القرآن الكريم والسنة المطهرةـ روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطِك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيْهِ؟» فَقَالَتْ: تَمْرًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلِيْ، كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةً» ، ولعله استقاء من هذا النبع الطاهر الرائق امتنع الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - عن الرواية من رجل سافر إليه مسافات شاسعة ليأخذ عنه حديثا، حينما وجده يضم حجره، ويدعو بغلته يوهمها بطعام وحجره فارغ، فتحرج أن يروي عنه، وقد كذب على بغلته (2) .
فعلى الداعي أن يكون صريحا مع نفسه، فلا يخادعها ومع الناس، فلا يرائيهم، ولا ينافقهم، وليسمع كل داعية ما يقوله ابن السماك في هذا المعنى: كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله، وكم من داعٍ إلى الله فارٍ من الله، وكم من تالٍ لكتاب الله منسلخ عن آيات الله (3) ، ليت الدعاة يَعُوْنَ قولَ ربنا: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .
وصفوة القول في هذا أن مسؤولية الدعاة تجاه المجتمع يجب ألا تشغلهم عن مسؤوليتهم تجاه أنفسهم، وانشغالهم بإصلاح الناس يجب ألا يصرفهم عن إصلاح حالهم، وواجبهم أن يعطوا المسؤولية حقها في أنفسهم وفي مجتمعهم.
لقد ذم الله اليهود الذين أكرمهم الله بالتوراة فلم ينتفعوا بها، ولم يطبقوها وشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارا، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... } [الجمعة: 5] .
(1) صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني (3/ 370) .
(2) الظلال (3/ 3553) .
(3) مشكلات الدعوة والداعية، ص 78.