فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 244

2 -إن القوم لا يبعد أن يكونوا قد يصنعون أصناما غير التي كسرت، وقد تكون جديدة أبهى وأجمل من القديمة، فعمله إذا لم يعقب ثمرة.

3 -إن القوم غضبوا لآلهتهم، وعاجلوا هذا الفتى بالنار التي تحسم أمره، وتريحهم منه، لولا أن أدركه الله في آخر لحظة، فنجّاه من النار، وجعلها بردا وسلاما.

ونحن نلاحظ في سيرة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن الله ثبت فؤاده بهذا القصص، فلم يعجل - عليه الصلاة والسلام - بعلاج فردي، بل كان يصلي في الكعبة في جوف الليل، والأصنام تطلّ عليه بعيونها الجامدة البغيضة، فلم يرفع إليها يدا، ولم يحرك نحوها ساكنا، ولو أنه صنع ما صنع إبراهيم - عليه السلام - بأصنام قومه لما رآه أحد، ولكن ماذا كانت تكون العاقبة؟ تعود الأصنام لما كانت، بل التي أحسن مما كانت، ويُعَاجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأذى، كما عوجل مَنْ سبقه، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن سبيل العلاج شيء غير هذا، هو الصبر والاستمرار على الدعوة، وتجميع الأنصار، وتعبئة القوى، فلما أن أتي الله باليوم الموعود، كان - عليه الصلاة والسلام - يشير إلى الصنم بقضيب في يده قائلا: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، فينكفئ على وجهه إلى حيث لا رجعة، وإنا لنعلم أن شباب الدعوة المحمدية الأولين كانوا كثيرا ما يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يثوروا بأسلحتهم، وأن يهبوا في وجوه أعدائهم، وكان - عليه الصلاة والسلام - يسكّن ثورتهم، ويطلب إليهم أن ينتظروا، فلم يعجل بعجلة هؤلاء الشباب، ولم يخف لخفتهم، بل كان يطلب إليهم أن يكفوا أيديهم الآن، ويكتفوا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، حتى تكتمل القوى، وتنضج الثمرة، وتطلع الأقدار بأيام الله، ونحن نأثم أشد الإثم إذا نصحنا الداعية أن ينهج بغير المنهج الذي سنّه الله لرسوله، والتزامه - صلى الله عليه وسلم - في حكمة وأُناة وقوة (1) .

وأما الثاني، ففي موسى - عليه السلام - لما بلغ أشده واستوى، راعته مظاهر الظلم التي ينزلها المصريون بالشعب الإسرائيلي، وموسى شاب بهيئة الله - سبحانه - للرسالة، فهو ذو نفس حساسة تكره الظلم، وتثور على مظاهره: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ

(1) تذكرة الدعاة، للشيخ البهي الخولي، ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت