فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 244

باطنه لا يتصف هو به، فمن نصح الناس بلسانه بكلام جميل ولكنه في الباطن يريد أن يقال له عالم، فهو كاذب بلسان الحال في عمله غير صادق فيه، فالصدق فيه هو استواء السريرة والعلانية، بأن يكون باطنه مثل ظاهره، أو خيرا من ظاهره.

إذا السر والإعلان في المؤمن استوى ÷ فقد عزّ في الدارين واستوجب الثنا

فإن خالف الإعلان سرًّا فما له ÷ على سعيه فضلٌ سوى الكدّ والعنا

ودرجات الصدق لا نهاية لها، وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض، فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا (1) .

ولذلك، فإن الصدق والأمانة متلازمان ومرتبطان بالإخلاص ارتباطا وثيقا.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ، وقال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3] ، وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} [النساء: 146] . وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

ويقول تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] . والمراد بتلك الإرادة: النية، ولذلك قال ربنا عن الشاهدين يريدان الإصلاح: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] . ولذا، فإن كل داعية إلى الله يجب أن يقول بنية خالصة صادقة: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88] .

والداعي، كما يخلص لله عمله، فإنه لا يظن السوء بالمسلمين، وبكل أعمالهم لله سبحانه وتعالى، ففي حديث أنس بن مالك: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك قال: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا قَطَعْنَا وَادِيًا، وَلَا وَطِئْنَا مَوْطِئًا يَغِيْظُ الْكُفَّارَ، وَلَا أَنْفَقْنَا نَفَقَةً، وَلَا أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةًإِلَّا شَرِكُوْنَا فِيْ ذَلِكَ وَهُمْ بِالْمَدِيْنَةِ» ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَيْسُوْا مَعَنَا؟ قَالَ: «حَبَسَهُمُ العُذْرُ» (2) ، فشركوا بحسن النية.

واسمع إلى هذا الحديث الكريم لأبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً عَلَى صَدَاقٍ وَهُوَ لَا يَنْوِي أَدَاءَهُ فَهُوَ زَانٍ، وَمَنْ اِدَّانَ دَيْنًا وَهُوَ لَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَهُوَ

(1) من كتاب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين (2/ 446) بتصرف.

(2) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» . ورواه أيضا ابن ماجه بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت