فهل تدبر الشباب اليوم هذا الدرس الرباني؟ وهل سأل نفسه: كم عدد الذين استجابوا لنوح - عليه السلام - بعدألف سنة إلا خمسين عاما؟ {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] يزيدون عن العشرة نفر أو يقلّون .. فكيف نحكم على الدعوة والداعي بعد هذا الزمن الطويل واستجابة العدد القليل؟؟!!
نقول: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
أما قلوب البشر فيملكها رب العباد، ولا شأن للداعي باستجابة الناس له، أو عدم استجابتهم بعد أن يعيد تقييم أسلوب الدعوة، ويطمئن على مدى مطابقته لمنهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن المولى سيسألنا عن الكيف، وليس عن الكم.
واسمع إلى تبيان ذلك من رسول الله موسى - عليه السلام - حين قال: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 128 - 129] .
أبعد ذلك نقيس نجاح الدعوة بقصر مدتها وكثرة المستجيبين لها أم بمدى مطابقتها لمنهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوة وأسلوبا، أما النتائج، فمردّها إلى الله، لا يجلّيها لوقتها إلا هو، بالرغم من أن النفس تتوق لرؤية النصر: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] .
وبعض الدعاة يضيق ذرعا بالناس الذين يدعوهم، فإذا دعاهم مرة أو مرات، ولم يستجيبوا له، حكم عليهم بالضلال إن لم يكن بالكفر، وطمأن نفسه ليقنعها أنها ما قصرت في دعوة، وإن للنار وقودا من الناس والحجارة، فماذا هو صانع مع هذا الصنف من البشرية الذي أعدّه الله للنار ... هكذا يقول؟!!
ولهؤلاء يضرب الله المثل بسيدنا يونس - عليه السلام -، ذلك النبي الكريم الذي ضاق صدره بتكذيب قومه، فأنذرهم بعذاب قريب، وغادرهم مغضبا، لأنه كذبوه، فقاده الغضب إلى شاطئ البحر، حيث ركب سفينة مشحونة، فناوأتها الرياح والأمواج، فقال الملاحون: ها هنا عبد أبق من سيده، ولا بد لنجاة السفينة من إلقائه في الماء، لتنجو من الغرق، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فألقوه في البحر: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] أي وهو آتٍ بما يُلام عليه من تخلِّيْه عن المهمة التي أرسله الله بها، وترك قومه مغاضبا لهم، وخروجه بغير إذن ربّه. قال عطاء: أوحى الله إلى الحوت أني قد جعلتُ بطنك سجنا، ولم أجعله لك طعاما، فلذلك بقي سالما لم يتغيّر منه شيء (1) ، وكان هذا من تدبير الله له، فلما استكمل قوته وعافيته، ردّه الله إلى قومه: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا
(1) تفسير أبي السعود (4/ 277) .