فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 244

ولا تقطع على الرجل بولته.

كما روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ النَّاسُ لِيَقَعُوْا فِيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوْهُ، وَأَرِيْقُوْا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا (دَلْوًا) مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِيْنَ، وَلَمْ تُبْعَثُوْا مُعَسِّرِيْنَ» (1) .

لقد رأيت بعض الشباب الذين يتشددون في الأمور، ويبحثون عن كل دليل ليؤكدوا به ميلهم للتشديد، ويعسروا على أنفسهم كأصحاب البقرة الذين قال لهم نبيهم موسى - عليه السلام: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوْا بِقَرَةً} ، فليتهم ذبحوا أيّة بقرة، ونفّذوا أمر الله وانتهوا، لكنهم أخذوا يتساءلون، فمرة يقولون: أتتخذنا هزوا؟! وأخرى يقولون: ما لونها؟ وثالثة يقولون: إن البقر تشابه علينا، شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، وينسون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.

إن القلوب كمعدن الحديد، تصدأ من كثرة الاستعمال، وتملّ وتكلّ فتترك العمل، وهذا ما علمنا إياه رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «إِنَّ الْقُلُوْبَ إِذَا كَلَّتْ مَلَّتْ، وَلَكِنْ سَاعَة وَسَاعَة» ، فالتعب المتواصل يراكم الملل.

وقف خاشعا أمام قول الرحيم العليم: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، فهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف عقيدة الإسلام كلها، فهي ميسرة لا عسر فيها، وهي توحي للقلب الذي يتذوّقها بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها، وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد، سماحة تؤدى معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة، وكأنما هي سيل الماء الجاري، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء، مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين" (2) ."

فأين هذه المعاني من بعض الذين يبحثون عن كل صعب ليقدموه للناس على أنه الإسلام أو هو من الإسلام، إنه الهوى المتبع، وليس الإسلام، لأن العسر الذي ينادي به بعضهم إنما نخشى أن يكون هذا السلوك صدر من أعماق النفس الأمارة بالسوء: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ... } [المؤمنون: 71] ، ولذلك، كانت العصمة من ذلك هي الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صغير الأمر وكبيره.

فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اَلْمَسْجِدَ، فَإِذَا بِحَبْلٍ مَمْدُوْدٍ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ

(1) الذي في البخاري: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» حديث رقم [220] ، وانظر أيضا حديث رقم [6128] .

(2) في ظلال القرآن (1/ 172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت