فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 244

الله - سبحانه - ينصر رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وإن اختلفت صورة النصر،

-فمنهم من يمكنهم الله - سبحانه - حتى يظهروا على عدوّهم ويغلبوه، وينتصروا عليه،

-ومنهم من يعجل الله العذاب لأقوامهم المكذبين لهم،

-ومنهم من يسلط عليهم - بعد قتلهم أنبياءهم - من ينتقم للأنبياء وينتصر لهم" (1) ."

ويشير ابن كثير إلى هذا الكلام الذي قاله ابن جرير، ثم يقول:"... ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى - عليه السلام - إماما عادلا، وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الحزية فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله تعالى في خلقه من قديم الدهر وحديثه، إنه ينصر عباده في الدنيا، ويقرّ أعينهم ممن آذاهم".

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يقول الله تبارك وتعالى: «مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِيْ بِالْحَرْبِ» (2) ."

ولذلك، أهلك الله عزّ وجلّ قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يُهْلِك منهم أحدا، وعذّب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدا.

قال السدي: لم يبعث الله عزّ وجلّ رسولا قط إلى قومه فيقتلونه، أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيُقتلون فيذهب ذلك القرن، حتى يبعث الله تبارك وتعالى من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها (3) .

إن من معاني النصر الانتقام، وقد ينتقم المولى سبحانه وتعالى للمظلوم في حياته أو بعد قتله وموته.

ولذلك فإننا نذكّر الذين يحادّون الله ورسوله ويقعدون بالمرصاد لأوليائه ويحاربون عباده المجاهدين في سبيله - نقول - نذكّرهم بسنة الله - ونلفت نظرهم إلى ما حلّ بالأمم التي يسيرون على منوالهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] ، ونقول للمسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .

وشاء الله أن يكون نصره للمؤمنين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بجهد البشر والأخذ بأسباب

(1) انظر: تفسير ابن جرير (14/ 74 - 75) .

(2) جزء من حديث طويل رواه البخاري، كتاب الرقائق (8/ 131) بلفظ: «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» .

(3) تفسير ابن كثير (4/ 83 - 84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت