فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 244

آمن به وعمل بمنهاجه، لذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان القدوة في القول والفعل (1) .

ولنستشعر خطورة الدعوة بالكلمة المعسولة التي ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب، اسمع إلى ما قاله هذا السائح المسلم في ديار الأندلس.

يقول:"إن الدليل الذي قادني بين آثار الحمراء تناول المسلمين بالكلمة الحاسمة، لقد قامت لهم دولة هنا لما كانوا لله خلائف، ثم طردوا من هذه الديار لما أصبحوا على ثراها طوائف" (2) . وصدق الله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... } [الأنعام: 159] ، ورضوان الله على شهيد الإسلام حسن البنا حين نبّه أتباع دعوته لهذا المعنى، فقال: إن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدي إلى أعظم الريح بأقل التضحيات، إن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن القليل من هذا الكثير يثبتون عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكن القليل منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل العنيف، وهؤلاء المجاهدون هم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق، ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله.

وفي قصة طالوت بيان لما أقول: فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختيار الدقيق، وامتحنوها بالعمل القوي البغيض لديها الشاق عليها، وأفطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها" (3) ."

إننا كي نحقق الآمال الكبار التي ننشدها في حاجة إلى أصحاب النفوس العظيمة ذات الإرادة القوية، والوفاء الثابت، والإيمان الصادق، والتضحية العزيزة، ولذلك، فإن مسؤولية الدعاة تجاه أنفسهم أضخم بكثير من مسؤولياتهم تجاه المجتمع. وخطورة التقصير فيما للدعاة على أنفسهم من واجبات يفوق خطورة التقصير فيما للمجتمع عليهم من حقوق، فالدعاة ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة للمجتمع الذي يعيشون فيه، تبدو في حياتهم آثار الرسالة التي يدعون الناس إليها. وترسم في خطاهم ملامح المبادئ التي يحملونها، وبذلك يحس كل من حولهم ويشعر بالوجود الحركي لهذا الدين وبالتحرك العضوي له، وفي هذا ما فيه من أثر بالغ في مجالات الدعوة والتليغ.

ولقد صفع القرآن أولئك الذين يعظون الناس ولا يتعظون، وينهونهم ولا ينتهون فقال

(1) من مقالة للشيخ محمد متولي الشعراوي، الأخبار، عدد 10823، السنة الخامسة والثلاثون، يناير 1987.

(2) كتاب علل وأدوية، ص 37 للشيخ محمد الغزالي.

(3) طريق الدعوة، للأستاذ مصطفى مشهور، ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت