فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 244

وما قيمة دعوة كاذب إلى الصدق، ودعوة منحرف إلى الاستقامة، إنها دعوات لا تجدي، بل تترك أثرا سيئا في نفوس المدعوين. فهل تتصور والدا كذوبا ينشئ أولاده على الصدق، أو أُمًّا مستهترة تربي بناتها على الفضيلة والعفاف، أو ابنا عاقا أو قاسٍ يدعو الناس إلى الرحمة،"إن فاقد الشيء لا يعطيه".

كأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدد لصحابته معالم الشخصية القدوة، وما ينبغي للمسلم أن يكون عليه قبل أن يدعو الناس لدين الله، وذلك في حديث معاذ الذي يجمع بين تقوى الله، ومحاسن الأخلاق، والذي يقول فيه:"أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يَا مُعَاذُ، أُوْصِيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَصِدْقِ الْحَدِيْثِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَحِفْظِ الْجَارِ، وَرَحْمَةُ الْيَتِيْمِ، وَلِيْنِ الْكَلَامِ، وَبَذْلِ السَّلَامِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَقَصْرِ الْأَمَلِ، وَلُزُوْمِ الْإِيْمَانِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ، وَخَفْضِ الْجُنَاحِ، وَأَنْهَاكَ أَنْ تَسُبَّ حَكِيْمًا، أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا، أَوْ تُطِيْعَ آثِمًا، أَوْ تَعْصِيَ إِمَامًا عَادِلًا، أَوْ تُفْسِدَ أَرْضًا، وَأُوْصِيْكَ بِاتِّقَاءِ اللهِ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ وَمَدَرٍ، وَأَنْ تُحْدِثَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً، اَلسِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَّةُ بِالْعَلَانِيَّةِ» (1) ."

فبالله عليك، شخصية هذه سماتها، وتلك أخلاقها .. كيف يكون تأثيرها فيمن حولها، صدقت يا عمر حين قلت: «إِنَّ لِلَّهِ رِجَالًا أَحْيَوْا الْحَقَّ بِذِكْرِهِ، وَأَمَاتُوْا الْبَاطِلَ بِهَجْرِهِ» ، فالمؤمن الصادق يجب أن يبدأ بنفسه قبل أن يدعو غيره، ذلك أنه من السهل جدا أن يُدَّعَى الدين، ولكن من الصعب أن يطبق على النفس، وأن يكون صاحب الدعوة قدوة سلوكية يراها الناس.

يستطيع الإنسان أن يكون عالما جهبذا في الكيمياء أو العلوم أو الطب أو الهندسة أو غير ذلك من العلوم التي أمرنا الله بتعلمها لتعمر الدنيا، ولكن هذه العلوم لا تتطلب منا قيدا سلوكيا، فقد تكون عالما في أي فرع من هذه الفروع وسلوكك تبعا لهواك، ولكن هذا لا يفسد الحقيقة أنك عالم بارع في علمك؛ لأن النبوغ لا يضع قيدا على الأخلاق، إلا علم الدين، فإنك إن كنت من علمائه أو الداعين إليه أو من المتدينين المخلصين لا بد أن تكون قدوة حسنة لما تدعو إليه، وإلا ما استمع إليك أحد، ولو كنت أكثر الناس اطلاعا وعلما وقراءة في دين الله، ولن يستفاد بعلمك هذا بل ولن ينظر إليك نظرة الاحترام الجديرة بك إلا إذا كان سلوكك وفقا لقواعد الدين وتبعا لما أمر الله به.

(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت