فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 244

يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: 36 - 37] .

ففي بيوت الله - مصنع الرجال - يتعلمون السياسة، وشؤون الحكم، والجهاد، والبيع والشراء، والزواج، والطلاق، وكل مناحي الحياة. لذلك، لم يحدث هذا الانفصام النكد بين الدين والدولة، ولا بين السياسة والعبادة، ولا بين المسجد وشؤون الحكم، ولا بين السلوك والأخلاق، ولا بين الغاية والوسيلة، فكانوا رجالا أسوياء، فتح الله لهم قلوب العباد قبل البلاد: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .

لقد ضحك علينا الغرب العلماني حين عدد لنا مقومات الدولة وحصرها في: الأرض المشتركة، والجنس الواحد، واللغة الواحدة، والمصالح المشتركة. هكذا قال لنا، وصدّقناه، وبنينا تصوّراتنا ونظمنا على ذلك، وتحددت العلاقات والمصالح على هذا التصور الخاطئ.

والحقيقة أن الإسلام أخبرنا بغير ذلك، فلقد أخبرنا ربّنا بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] ، فأصبح هناك مقوّم آخر يضاف إلى هذه المقوّمات، هو الأساس، بل بدونه لا قيمة لأي مقوّمات أخرى غيره، ألا وهو:

1 -الإيمان بالله.

2 -والأمر بالمعروف.

3 -والنهي عن المنكر.

واسأل نفسك: هل وحّدت الأرض والجنس، وحتى اللغة والمصالح وهذه المقوّمات كانت موجودة قبل الإسلام؟ فهل وحّدت العرب وصنعت منهم أمة؟ أم أن التناحر والتفاخر والتكاثر والقبلية والعصبية فرّقتهم ومزّقتهم حتى ذكرهم خالقهم بذلك؟ {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] .

نعم، إنه الإيمان أولا الذي صنع شخصية صاحب العقيدة الحقة التي تغير المجتمع. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ، هي العقيدة التي تجمع وليست الأرض ولا الجنس ولا اللغة ولا المصالح المشتركة.

وها نحن نرى أمما ودولا تجمعها هذه المقوّمات التي ادّعوها، ومع هذا، تفرّقت شيعا وأحزابا، لاختلاف العقائد، وسَلِ التّاريخ الحديث ما الذي فرّق ألمانيا إلى شرقية وغربية، وفيتنام إلى شمالية وجنوبية، وقبرص إلى تركية ويونانية، بل واليمن إلى شمالية مسلمة، وجنوبية ملحدة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت